محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

715

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

يجب أن يعرف أوّلا صدقه في القول وهدايته في العقل حتّى يجوز له الاقتداء به والتقليد له ؛ فمن لم يثبت أوّلا صدقه كيف يصدّقه غيره ؟ ومن لم يقرّر أوّلا هدايته كيف يهدي غيره ؟ فعرف بذلك أنّ من لم يبتدئ بإثبات صدق قوله فهو محظور الاتّباع ، ومن اتّبعه من غير برهان كان وبال اتّباعه عليه ، ولهذا يتبرّأ الذين اتّبعوا من الذين اتّبعوا يوم القيامة ، ولهذا يقول الشيطان لمّا قضي الأمر : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي من غير حجّة وبرهان ، وكذلك اليوم حكم الأتباع المقلّدين وحكم المتبوعين المقلّدين . فالمقلّدون يقولون وجدنا عليها آباءنا ، والمقلّدون يقولون على اللّه ما لا يعلمون ؛ فيحلّون الحرام ويحرّمون الحلال ؛ فتصرخ منهم الدماء وتبكي منهم المواريث 41 . وسرّ آخر : نفى عن المتبوعين الذين قلّدوهم أمرين أحدهما العقل والثاني الاهتداء ، ونبّه بذلك على أنّ الذي يجوز تقليده يجب أن يكون عاقلا مهتديا والعاقل من عقل عن اللّه أمره ، والمهتدي من قبل من اللّه الهداية ؛ فمن كان موصوفا بهذين الأمرين فهو واجب الاتّباع ، ومن انتفى عنه الأمران فهو محظور الاتّباع ، وقد رأيت حال الأتباع والمتبوعين ؛ فالأتباع يتّبعون من لم يثبت عندهم علمه وعقله واهتداؤه واقتداؤه ، والمتبوعون يقولون على اللّه ما لا يعلمون ؛ فلا هم يعقلون عن اللّه أمره ، ولا هم يهتدون بهدايته ؛ فإذا رفعت عن عقلهم الاهتداء كان دعاؤهم ودعوتهم كالذي ينعق بما لا يسمع إلّا دعاء ونداء ، صمّ بكم عمي . قوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 171 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 ) النظم وجه النظم فيها ما سبق من ذكر الأتباع والمتبوعين ؛ إذ رفع عن أقوالهم العقل والهداية ؛ فيكون لهم صوت مجرّد كنعيق هو تصويت بالغنم أو بحيوان آخر .